القائمة الرئيسية

الصفحات

هل خطابات الضمان البنكي داخلة في عموم تعليق المطالبات في إجراءات الإفلاس ؟

 

هل خطابات الضمان البنكي داخلة في عموم تعليق المطالبات في إجراءات الإفلاس ؟

ضمن سلسلة قضاء الإفلاس 3

 



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

عرّف د. محمد الجبر خطاب الضمان بأنه: تعهد يصدر من بنك بناء على طلب عميل له (الآمر) بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين لشخص آخر (المستفيد دون قيد أو شرط إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعنية في الخطاب.[1]

وبالنظر إلى إجراءات الإفلاس لكثير من المدينين نجد أنه صدر لأمرهم خطابات ضمان بنكي للمستفيدين، وأثناء إجراءات الإفلاس وتعليق المطالبات ترد للبنوك طلبات تسييل خطابات الضمان من المستفيدين، فهل البنك ملزم بتسييل الضمان البنكي أم له حق بالامتناع بموجب تعليق المطالبات المنصوص عليه في نظام الإفلاس؟

الأحكام القضائية تعكس قناعات المحكمة في هذه المسألة وأنقل لكم حكمين للمحكمة بخصوص هذه المسألة:

تضمنت القضية الأولى طلب ممثلي أحد البنوك تضمن أن بنك سبق وأصدر خطاب ضمان لوزارة الصحة بناء على طلب المدين وأن الوزارة أقامت على البنك دعوى لدى لجنة المنازعات المصرفية تطلب فيها تسييل هذا الضمان بالرغم من تعليق المطالبات ويطلب من المحكمة إصدار قرار بوقف تسييل الضمان.

فسببت المحكمة لحكمها بما نصه:

(لما كان مقدم الطلب يطلب وقف تسييل الضمان الذي تم إصداره لوزارة الصحة بناء على طلب شركة سعودي أوجيه. ولما كانت شركة سعودي أوجيه قد افسح لها إجراء التصفية وفق نظام الإفلاس و وكان خطاب الضمان الذي تم إصداره بلا تأمين نقدي من المدين (شركة سعودي أوجيه) وفق ما نصت عليه اتفاقية التسهيلات المبرمة بين الطرفين , فإن البنك يعد بمثابة الضامن لدين المدين ويكون خطاب الضمان المشار إليه مشمولا بتعليق المطالبات وفق ما نصت عليه المادة (97) من نظام الإفلاس : " ... يترتب على قيد طلب الفتاح إجراء التصفية أو حكم المحكمة بافتتاحه تعليق المطالبات وذلك حتى تاريخ حكم المحكمة برفض طلب الافتتاح أو حكمها بإنهاء الإجراء"، وقد عرفت المادة الأولى من نظام الإفلاس تعليق المطالبات بأنه : " تعليق الحق في اتخاذ أو استكمال أي إجراء أو تصرف أو دعوی تجاه المدين أو أصوله أو الضامن لدين المدين ..." . وقد نبهت الدائرة في حكمها الصادر بافتتاح الإجراء إلى أن جميع المطالبات ضد المدين أو أصوله أو الضامن لدينه معلقة اعتبارا من تاريخ قيد الطلب في 12/11/1440 هـ، وعلى ذلك فلا يجوز رفع الدعوى تجاه مقدم الطلب بشأن خطاب الضمان المشار إليه أو استكمال أي إجراء أو تصرف. ومن لديه مطالبة تجاه المدين فله أن يقدمها للأمين المعين في إجراء التصفية وعليه ولما كان تعليق المطالبات تجاه الضامن لدين المدين مقرر بنص النظام كما سبق بيانه، فإن تطبيق ذلك وإنفاذه واجب على الجميع دون الحاجة لإصدار قرار قضائي مستقل بشأن كل مطالبة ، مما تنتهي معه الدائرة إلى حكمها هذا وبه تقضي.

منطوق الحكم

حكمت الدائرة: بعدم قبول هذا الطلب.)[2]

يلاحظ أن المحكمة كيفت العلاقة بين الآمر "المدين" وبين البنك في خطاب الضمان الذي ليس له غطاء نقدي على أنها علاقة ضمان وعليه فيكون خطاب الضمان داخل من عموم تعليق المطالبات.

وإذا نظرنا إلى التكييف الفقهي الشرعي يقول فضيلة الشيخ سعد الخثلان: والتكييف الفقهي له (أي: خطاب الضمان الذي بدون غطاء نقدي) أن العلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مُصدره هي ضمان "كفالة" فكأن هذا البنك يضمن الشخص الذي يريد الدخول في مناقصة أمام الجهة الحكومية مثلاً.[3]

مجمع الفقه الإسلامي الدولي يرى: أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء أو بدونه، فإن كان بدون غطاء، فهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالًا أو مآلًا، وهذه هي حقيقة ما يعنى في الفقه الإسلامي باسم: الضمان أو الكفالة. وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي: الوكالة، والوكالة تصح بأجر أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له).ا.هـ [4]

بناء على ما سبق فإذا كان خطاب الضمان مغطى بشكل جزئي وهو الغالب فيكون البنك وكيل بمبلغ التغطية وضامن للباقي.

وأما القضية الثانية: فتم افتتاح إجراء التصفية للشركة المدينة وورد طلب إلى أمين الإفلاس من أحد البنوك يتضمن طلب الرفع لمقام المحكمة للنظر في الضمانات البنكية الصادرة بأمر المدين إلى أحد الوزارات ويطلب تعليق هذه الضمانات.

وسببت المحكمة لحكمها بما نصه:

(لما كانت شركة جوانو وباراسكفيدس العربية السعودية المحدودة تخضع لإجراء التصفية بموجب حكم الدائرة الصادر في 24/ 9/ 1440هـ المتضمن افتتاح إجراء التصفية وتعيين راشد عواجی عبدالله أمينا للإجراء ، ولما كان الأمين يطلب تعليق تسييل الضمانات المصدرة من البنك الفرنسي لصالح وزارة الداخلية لحين عمل التسويات النهائية مع المدين شركة جوانو وباراسفیدس العربية السعودية .

وأما عن الموضوع : فلما كان الأمين قد أسس طلبه على المواد التي قررت تعليق المطالبات عن الضامن الدين المدين وفق ما سبق إيراده أعلاه ، ولما كان من المقرر أن خطاب الضمان من الأعمال المصرفية التي تتضمن تعهداً نهائياً يصدر من البنك بناء على طلب عميله (الآمر)، يدفع مبلغ نقدي معين أو قابل للتعيين، بمجرد أن يطلب (المستفيد) ذلك من البنك خلال مدة محددة ودون توقف على شرط آخر ، ولما كان من المستقر في قضاء لجنة المنازعات المصرفية - وهي الجهة المخولة بالبت في النزاعات المصرفية في المملكة - أن : (خطاب الضمان ينشئ التزاماً أصلياً ومباشراً ونهائياً في ذمة البنك قبل المستفيد بحيث لا يستطيع البنك الرجوع فيه أو تعديله بمجرد وصول خطاب الضمان للمستفيد ، ويعتبر التزام البنك مجرداً عن السبب ومستقلاً عن علاقة البنك بعميله أو علاقة هذا الأخير بالمستفيد ، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للبنك التمسك في مواجهة المستفيد بأي دفع مستمد من علاقته بالعميل أو من علاقة العميل بالمستفيد ؛ إذ إن خطاب الضمان وإن صدر تنفيذا لعلاقة البنك بعميله إلا أن هذه العلاقة منفصلة ومستقلة عن علاقة البنك بالمستفيد ) [القرار رقم 41 - 1410].  وعلى ضوء ذلك أصدر البنك المركزي تعميماً برقم (42025830) وتاريخ 21/4/1442هـ أشار فيه إلى دور البنك المركزي في الحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي في المملكة ، كما أشار إلى المبادئ القضائية والأعراف المصرفية المستقرة في شأن خطاب الضمان البنكي وأنه يمثل التزاما أصلياً مباشراً ومستقلا في ذمة البنك المصدر بمعزل عن الظروف المحيطة بالعميل الآمر ، وأكد على البنوك بعدم الامتناع مصادرة خطاب الضمان بسبب افتتاح أحد إجراءات الإفلاس .

وعليه ترى الدائرة أن خطاب الضمان البنكي مغاير للضمانات والكفالات الشخصية ؛ ذلك أن طبيعة الالتزام الناشئ عن خطاب الضمان البنكي تختلف عن الالتزام في الضمان الشخصي ؛ فالتزام الضامن في الضمان الشخصي تابع لالتزام المضمون عنه ، في حين أن التزام البنك في خطاب الضمان هو التزام أصلي تجاه المستفيد وليس تابعاً لالتزام العميل الآمر . إذا تقرر ذلك فإن الضامن الذي تعلق تجاهه المطالبات بعد افتتاح إجراء التصفية هو مقدم الضمان الشخصي أو العيني وفق ما دلت عليه المادة (98) نظام الإفلاس. وأما البنك المصدر لخطاب الضمان فلا يكون ضامناً وفق هذا المفهوم وبالتالي لا يكون خطاب الضمان البنكي مشمولا بتعليق المطالبات المقرر في النظام. الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى رفض هذا الطلب المقدم من الأمين. وأما ما أشار إليه الأمين من تبعات قد تلحق تسييل الضمان قبل التحقق من دین وزارة الداخلية فتجيب عنه الدائرة بما هو متقرر من أن تسييل الضمان لا يحول دون حق المدين في رفع الدعوى أمام الجهة القضائية المختصة .

منطوق الحكم

رفض الطلب المقدم من الأمين، والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.)[5]



فيظهر تغير اجتهاد الدائرة في هذه المسألة بحيث رأت أن التزام البنك في مواجهة المستفيد التزام أصلي لا يتأثر بظروف الآمر "المدين". وعليه فلا يدخل ضمن المطالبات التي أوجب النظام تعليقها إذا تم افتتاح الإجراء.

يقول الأستاذ عبد الهادي الشهري[6]اختلف القضاء التجاري في مسألة تفسير وتكييف خطاب الضمان البنكي وذلك بالرجوع لمفهوم تعليق المطالبات المنصوص عليها في نظام الإفلاس م1. فقد ذهبت بعض الدوائر بعدم سريان تعليق المطالبات على خطاب الضمان البنكي، وذلك باعتبار تعميم البنك المركزي ومنه " تعليق: على البنوك بعدم الامتناع مصادرة خطاب الضمان بسبب افتتاح أحد إجراءات الإفلاس". وهذا تخصيص للنص النظامي بموجب تعميم صادر من جهة تنظيمية " البنك المركزي السعودي"، وهذا التخصيص لا يعتد به إذ أن النص النظامي أقوى منه من جهة الإصدار فنظام الإفلاس صادر بمرسوم ملكي، بينما التعميم صادر من جهة إدارية، ذلك وفق قاعدة " عدم العمل بالنص اللاحق لتعارضه مع نص سابق أعلى درجة منه"([7]) .

كما ذهبت الدائرة إلى أن تكييف خطاب الضمان البنكي مغاير للضمانات والكفالات الشخصية، وذلك أنه يعد التزام أصلياً مباشراً -من البنك- ومستقلاً عن التزامات المدين، وهذا مختلف عن الالتزام في الضمانات الشخصية، التي في أصلها تكون التزامات تابعه. تعليق: يستحسن قبل الخوض في تكييف خطاب الضمان البنكي أن نستحضر غاية المنظم وذلك بتقريب النصوص بعضها ببعض([8]) وذلك بالعودة للمادة 5 من ن إفلاس فهدف إجراءات الإفلاس ومنها

 "تمكين المدين المفلس أو المتعثر أو الذي يتوقع أن يعاني من اضطراب أوضاعه المالية من الاستفادة من إجراءات الإفلاس، لتنظيم أوضاعه المالية ولمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد وتنميته."

أما عن مسألة مغايرة حقيقة خطاب الضمان البنكي عن الضمانات العينية والشخصية. نقول أن الأصل في إصدار خطاب الضمان البنكي لا يكون في الغالب إلا بتقديم المدين غطاء نقدي لخطاب الضمان، ويعد هذا من أصول التفليسة للمدين فبالتالي تدخل في عموم تعليق المطالبات. ا. هـ

الحقيقة أن الأمر مُشكل خصوصاً إذا نظرنا إلى التكييف الفقهي لخطاب الضمان فإذا تقرر أنه وكالة أو كفالة أو ضمان فلا يمكن أن نخرجه من عموم النص النظامي المتعلق بتعليق المطالبات، لأن طلب المستفيد من البنك في حقيقته مطالبة ضامن ولا يكمن أن نتصور أن نشوء الالتزام الذي بين البنك والمستفيد كان اعتباطا ومجرداً من أي سبب خارجي بحيث لا يمكن تكييفه على أنه ضمان. بل إن البنك في حقيقته ضامن لهذا الآمر "المدين" بالتالي ما الذي يجعله يخرج عن عموم الضامنين للمدين الذين تم تعليق المطالبات ضدهم؟

نختم بمبدأ جميل صادر من المحكمة الإدارية ينص على (ولما كان من المتقرر أنه لا يجوز للسلطة أدنى في مدارج التشريع أن تلغي أو تعدل قاعدة وضعتها سلطة أعلى أو أن تضيف إليها أحكاماً جديدة إلا بتفويض خاص من تلك السلطة العليا وفقاً للنظام أو كان النظام ذاته يفوضها في ذلك)[9]

ربما نحتاج مبدأ أو تعديل نظامي يحل الإشكال.

اللهم صلِّ على محمد.



[1] العقود التجارية وعمليات البنوك في المملكة العربية السعودية ، الدكتور محمد حسن الجبر ، ص 321 .

[2] أحكام الافلاس المنشورة في موقع وزارة العدل في المملكة العربية السعودية لعام 1441 هـ - المجلد الأول ( الأحكام الشكلية - الأحكام الموضوعية بالرفض) - ، تصنيف واعداد المحامي / عبد الله بن تركي الحمودي، ص 33، 34 .

[3] فقه المعاملات المالية المعاصرة ، إعداد أ. د. سعد بن تركي الخثلان، ص 190 ،191.

[4] مجلة المجمع (العدد الثاني، ج2 ص 1035). https://iifa-aifi.org/ar/1604.html

[5] أحكام الإفلاس الصادرة بالرفض لعام 1443 هـ، جمعها / عبد الله بن تركي الحمودي، ص  8 - 10

[6] باحث في الدراسات العليا تخصص فقه النظام التجاري ومهتم بالقضاء التجاري حسابه في تويتر.

[7] محمد بن عواد الاحمدي. (1443هـ). تفسير النصوص في الفقه والنظام. حائل: غير مطبوعة.

[8] نفس المرجع

[9] مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية لعام (1435هـ)، 4 / 1784.

أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات